محمود محمود الغراب

49

الحب والمحبة الإلهية من كلام الشيخ الأكبر

بحق ، هو أتم ، فلذته أعظم وشهوته أقوى ، فمن رأى نفسه حقا كله ، يقع له التجلي الذي وقع لجبل موسى ولموسى ، فلا يندك ولا يصعق ، وإن فني فإنما يفنيه جمال ذلك المشهود ، فإن اللّه جميل ويحب الجمال ، فلا بد أن يكسو اللّه باطن هذا العبد من الجمال ، بحيث أنه لا يتجلى له إلا حبا ، لما ظهر فيه من الجمال الخاص المقيد به ، الذي لا يمكن أن يظهر ذلك الجمال إلا في هذا المحل الخاص ، فإنه لكل محل جمال يخصه لا يكون لغيره ، ولا ينظر اللّه إلى العالم إلا بعد أن يجمّله ويسويه ، حتى يكون قبوله لما يرد به عليه في تجليه على قدر جمال استعداده ، فيكسوه ذلك التجلي جمالا إلى جمال ، فلا يزال في جمال جديد في كل تجل ، كما لا يزال في خلق جديد في نفسه ، فإذا تعلق حب العبد باللّه ، وكان اللّه محبوبه ، يفنى في حبه في الحق أشد من فنائه في أشكاله ، فإنه في حب أشكاله فاقد في غيبته ظاهر المحبوب ، وإذا كان الحق هو المحبوب فهو دائم المشاهدة ، ومشاهدة المحبوب كالغذاء للجسم ، به ينمى ويزيد ، فكلما ازداد مشاهدة زاد حبا . ( ف ح 2 / 189 - ح 4 / 146 - ح 2 / 325 ) فالمحبون للجمال المطلق ، الذين تعشقوا بالصورة الذاتية المنيعة الحمى ، هم في نعيم وسرور ، فإنه وإن لم تحصل ، فإن في تجليها إلى المحب ، يتضح لذلك التجلي كل ما في ملكه ، فيظهر جميع ملكه له بتلك الصورة الذاتية ، فلو لا تجليها ما اكتسبت المملكة هذه الصورة الحسناء ، فالنعيم بجميع الملك للمشاهد - مع هذا التجلي - نعيم بالذات ، في صورة الملك ، لأن الذات تضيء ، ولا يلتذ إلا بالمواد ، فهي محبة معنوية خارجة عن الحس والخيال والصور والمثال ، وهو حال وراء طور العقل ، ومع هذا التقرير فإنه صلى اللّه عليه وسلم يقول : « لي وقت لا يسعني فيه غير ربي » ففرّق بين الأحوال ، وإن كان الحق مشهودا له في كل حال ، غير أنه لما كان حال شهود الذات أسنى الشهود وأحلاه وأعظم أثرا ، لذلك يقوم عنده وجه الحق فيما عدا هذا الشهود ، كما لو تعشق العارف بالتعلقات الإلهية ، لكانت لذة شهود العلم أعلى من شهود تعلق القدرة ، لأنه أعم ، وتعلق القدرة أخص ، لأن محلها الممكنات لا غير . ( ذخائر الأعلاق ) والقلب المحمدي الكامل المحب العاشق ، مع نزاهته عن التقييد بالمقامات ، إذا تجلت له المناظر العلى عند المقام الأعلى ، حيث المورد الأحلى ، التي تتعشق بها القلوب ، وتهيم فيها الأرواح ، ويعمل لها العاملون الإلهيون ، ملكته هذه المناظر العلى ، وكيف لا تملكه